يحيى بن معاذ الرازي

118

جواهر التصوف

إلا صبيّة صغيرة بكت فقيل لها : ما يبكيك ؟ ! قالت : مخلوق نظر إلينا فاستغنينا ، فكيف لو نظر إلينا الخالق عز وجل ؛ وقال الحلاج : « إذا أراد الله أن يوالى عبدا من عباده ، فتح عليه باب الذّكر ، ثم فتح عليه باب القرب ، ثم أجلسه على كرسي التوحيد ، ثم رفع عنه الحجب ، فيريه الفردانية بالمشاهدة ، ثم أدخله دار الفردانية ، ثم كشف عنه الكبرياء والجمال ، فإذا وقع بصره على الجمال بقي بلا هو ، فحينئذ صار العبد فانيا وبالحقّ باقيا ، فوقع في حفظه سبحانه - وبرئ من دعاوى نفسه » . * * * 174 - « لن يصل إلى قلبك روح المعرفة ، وله عليك حقّ لم تؤدّه [ التعرف : 36 ] * المعرفة كما يعرّفها الإمام القشيري رحمه الله تعالى : صفة من عرف الحقّ سبحانه بأسمائه وصفاته ، ثم صدق الله تعالى في معاملاته ، ثم تنقّى عن أخلاقه الرديئة وآفاته ، ثم طال بالباب وقوفه ، ودام بالقلب اعتكافه ، فإذا صار من الخلق أجنبيّا ومن آفات نفسه بريّا ، ودام في السّرّ مع الله مناجاته ، وحق في كل لحظة إليه رجوعه وصار محدّثا من قبل الحق سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره ، يسمّى عند ذلك عارفا ، وتسمّى حالته معرفة انتهى . والمعرفة بأبعادها هذه لا يصل إليها من كان مقصّرا في حقّ من حقوق الله عليه وصدق القائل : فجاهد تشاهد يا مريد تقرّبى . * * * 175 - « عمل كالسّراب ، وقلب من التّقوى خراب ، وذنوب بعدد الرّمل والتّراب ، ثم تطمع في الكواعب الأتراب ، هيهات أنت سكران بغير شراب ، ما أكملك لو بادرت أجلك ، ما أقواك لو خالفت هواك . [ الوفيات : 6 / 167 ] * قال تعالى : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] ، وقال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [ النور : 39 ] . . وبعد أن سرد الشيخ معاصي الرجل وطمعه في دخول الجنة والتمتع بالكواعب الأتراب ، بكّته على أوهامه وآماله الخادعة ، ثم نصحه بأن يسارع إلى مخالفة هواه ، وأن يبادر إلى القيام بصالح الأعمال في جدّ واجتهاد قبل أن يفجأه ملك الموت . * * *